[ المقالة ]

أمراض تيار البوطي أو تديّن آل الأسد

البوطي

اتسم حكم حزب البعث بقيادة آل الأسد بالشمولية المتطرّفة التي تهدف إلى السيطرة على المجتمع السوري بكل مظاهره الخارجية ومفاصله الداخلية، بل وحتّى صبغ روحه بألوان حزب البعث والنظام الباطني. ومن أبرز الساحات التي استطاع نظام الأسد أن يفرض فيها رؤيته؛ الساحة العلمية والدينية، وذلك عبر تطويع المجال العلمي ليكون أداة يرسخ قبضة السلطة بدل أن تدخل في صراع معه.
من خلال دراسة نظام الأسد للاتجاهات العلمية السائدة في الساحة السورية وفهم طبيعة التنافس بينها وطبائع قادتها؛ قرّر الاعتماد على التيّار التقليدي الجامد الذي كان يمثله الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وآخرون إلى جانبه، ليكونوا أداة للسلطة في مواجهة الاتجاهات العلمية التجديدية ووسيلة للسيطرة على عقل المجتمع السنيّ إلى جانب التيار الصوفي التقليدي الموالي للسلطة الذي مثّله الشيخ أحمد كفتارو في مواجهة الاتجاه الصوفي التجديدي الذي اتسم به التصوّف الشامي مطلع القرن العشرين.
بعد سقوط نظام الأسد والتوجّه نحو إصلاح ما أفسده آل الأسد في كل مجالات الحياة السورية؛ يتكرّر السؤال في الساحة السورية عن السبيل نحو التخلص من “التشوّه العلمي البوطي” الذي نخر في الساحة العلمية الشامية، خاصة الصوفية والأشعرية منها، بعد أن كانت ساحة عصيّة على السيطرة والانقياد قبل تحالف البعث مع تيارَي كفتارو والبوطي.

إن الواقع يخبر الباحث المتأمل أن: التخلّص من الغدة السرطانية التي نخرت في التدين الشامي منذ وصول آل الأسد إلى السلطة تشبه عملية التخلّص من آثار آل الأسد في مجال السياسة والمجتمع والاقتصاد. فهذا التيار “الغريب” عن التصوّف والأشعرية والماتريدية والسلفية الشامية، والذي تحالف مع السلطة الباطنية وكان البوطي أحد واجهاته وأركانه، تسبب في مآسي علمية عديدة من أبرزها:

1- انقطاع سلاسل العلم في سوريا بين طلاب كلية الشريعة وفي معظم معاهد الشريعة في سوريا، خاصة بعد خطة الثمانينات في تهجير العلماء الذين تعود إليهم أسانيد التدريس في بلاد الشام عموما وفي حلب وحمص وحماة ودمشق خصوصا. وقد جرت عادة الدراسات الأكاديمية أن يدرس الطلاب مناهج العلماء من أساتذتهم الكبار أو أساتذة أساتذتهم الذين قدموا إسهامات علمية في العصر السابق لهم مباشرة فيعرضون لها تعريفا وتقديما وتقييما ونقدا لتمتد مسيرة العلم في تطوّر مستمرّ عبر سلاسله. وبما أن معظم العلماء الذين أسسوا النهضة العلمية والدينية في سوريا منذ أواخر السلطنة العثمانية وحتى تسلّط آل الأسد على سوريا كانوا من اتجاهات لا يحبّذها آل الأسد والبوطي وكفتارو وأمثالهم، فقد تمّ تجاهل هؤلاء العلماء بل والطعن بهم والانتقال إلى دراسة بعض المسائل أو القضايا في عصور سابقة أو كتابة دراسات في بعض الجدليات المعاصرة على طريقة البوطي، فصارت سلسلة العلم هي البوطي ومن بقي معه من علماء آل الأسد ثم تقفز مباشرة إلى نتف علمية متفرقة من عصور غابرة سحيقة دون المرور على العلماء التي ظهروا مطلع العصر الحديث.

2- كما تسبب هذا التيار التقليدي المتحالف مع الحكم الباطني في شيوع أوهام وخرافات [علمية] يظنها كثير من دكاترة تيار البوطي حقائق ومسلَّمات، مثل: أن السلفية قنطرة اللادينية، وأن البحث عن الدليل بداية للانحراف، وأن التشدد والتكفير مرتبط باللامذهبية – مع أنه موجود عند المذهبيين أيضا وعند الإنجيليين والملاحدة – وأن الجماعات الإسلامية أخطر على الإسلام من معظم أعدائه المحاربين له، وأن المنهج في العلوم الشرعية الكلامية والأصولية وغيرها لا يكون إبداعيا، بل أفضل ما يفعله العلماء اليوم أن ينفضوا الغبار عما سبق إذ لا جديد في ساحة المنهجية العلمية، ومنها أيضا: عزل القضايا التاريخية عن سياقها، وزعم أن دراسة القضايا التاريخية السياسية أو المنهجية أو الاتجاهات العلمية في سياقها الزماني والمكاني انحراف عن المنهج العلمي الرصين، وما إلى ذلك من عشرات القواعد والأوهام التي اخترعها البوطي في كل مجالات العلم، وساقها في كتبه ودروسه باعتبارها مسلّمات آمن بها معظم طلابه دون تمحيص، فانحرفت بكثيرين إلى الغلو والتطرف والتشوّش في العديد من المجالات، ممّا ساواهم بمتطرفي اللامذهبية وجعلهم في خدمة كل الأنظمة المعادية للاتجاهات العلمية التجديدية المنضبطة التي تعتبر امتدادا للاتجاه العلمي الشامي الذي ساد في سوريا قبل تحالف البعث والتدين التقليدي.

3- كما تسبب هذا التيار الحليف للنظام الباطني في انقلاب العقل المسلم لدى ضحاياه ليكون عقلا مشوّها يقرأ القرآن والسنة والعلم ويخرج بنتائج مناقضة لمسلّمات الإسلام، مثل أن يعلنوا وجوب الجهاد إلى جانب نظام الأسد ضد الشعب السوري لأن مصلحة الشعب السوري – الذي تمّ تهجير أكثره – تقتضي ذلك!! ولدرجة تحميل المقتول جريمة مقتله هو وأطفاله وجعل فعل النظام القاتل الذي دمّر المدن على أهلها فعلا شرعيا، ولدرجة أن علماء هذا التيّار الذين فرّوا من بطش الأسد إلى مناطق الثوّار أو دول الجوار كانوا يؤكّدون أن نظام الأسد هو النظام الشرعي وأن مخالفيه بغاة، ولدرجة أنهم يجلسون في المناطق المحرّرة وينتظرون دخول نظام الأسد والإيرانيين إليها لإعادتها إلى الشرعية، واعتبار ما ينتج عن ذلك من دمار واستباحة للأعراض ومجازر في الأطفال أعراضا جانبية يجب شرعا تحمّلها، للتّخلّص من الثوّار الذين آووهم ووفّروا لهم كل الأجواء التي يحتاجونها لنشر العلم والدين دون مضايقات، ولكن كل ذلك لا يخرج الثائرين عن حكم البغاة والمفسدين في الأرض بحسب عقلهم الفقهي المنكسر ومنهجهم العلميّ الذي بني على جهل مركّب.

بل وأصبح هذا العقل الذي أصابته لوثة البوطي يقرأ كتب التاريخ واللغة والعقيدة والفقه فيخرج بأفكار غريبة تناقض منهج محققي أهل السنة عبر العصور، مع تلبّس بحالة من إنكار الواقع واستباحة الافتراء على المخالف واستخدام زخرف الكلام والتباكي والتظاهر بالروحانيات في تحسين الكذب وسياق الوهم مساق العلم. لدرجة أن شيوخا كانت تتحدث على المنبر أن شيخهم البوطي وقف مع نظام الأسد بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر الأولياء، وأنه قال للشيخ شكري اللحفي: (قل لي أن أغير الآن موقفي فأغيره) ثمّ يعدّ ذلك منقبة لشيخه، ثم يعودون ليؤكّدوا أن شيخهم اتخذ موقفه إلى جانب نظام الأسد – مخالفا معظم علماء بلاد الشام والأمة – بناء على موازنات شرعية وليس بناء على أوهام غيبية وأهواء وتماهٍ مع الباطنية الذين أحبّهم واعتقد فيهم أعلى درجات الإيمان والصدق.

4- كان من آثار الامتلاء بالقواعد الوهمية التي اخترعها الدكتور البوطي في شتى مجالات العلم: شيوع الفراغ العلمي وضعف التخصصات الشرعية واللغوية والفلسفية وضحالة الاطلاع على الدراسات المعاصرة من قبل الأكاديميين ضمن هذا التيّار مما زاد من بعدهم عن الواقع، يرافق ذلك كلّه استعلاء على مخالفيهم من أهل العلم ومجموعة من العقد والأوهام التي اشتهر بها كثيرون من علماء وشيوخ وأكاديميي هذا التيار ومن وقع تحت أيديهم من طلبة العلم.

إن ما ذكر من أمراض يعرفه معظم طلاب العلم والأكاديميون السوريون الذين منّ الله عليهم في الهجرة والأسفار بمخالطة العلماء المحققين من الأشاعرة والماتريدية والصوفية والسلفية وغيرهم من علماء البلدان.

وقد عصم الله كثيرا من علماء بلاد الشام من الوقوع في فخ هذا السرطان وطلب بعضهم الشفاء مما أصابه على يد علماء الأسد من قصور وبلاء علميّ ونفسيّ فمنّ الله عليهم وزادهم فضلا وعلما، في حين استلذّ سرطانَ البوطي جمعٌ من التيارات الموالية للسلطات في بلدان عدة ومجموعة من الأكاديميين عبر العالم العربي والإسلامي بل وحتى داخل بعض جماعات الشيوخ الذين كانوا في صفوف الثورات أو المعارضين لأخطاء الأنظمة السياسية، فوقعوا في أهواء “علمية” أو تطرّف ظاهر أو مبطّن ممتد إلى تيّار البوطي لا يختلف عن تطرّف بعض اللامذهبيين.

وختاما: إن عودة التصوّف الشامي إلى صفائه الشرعي وتخلّصه من اختراقات الباطنية وتخلّص المنهج الأشعري العلمي ممّا لحقه من “أوهام” البوطي وتياره اليمينيّ المتطرّف في سوريا ومصر والأردن ولبنان والمغرب وغيرها يحتاج إلى عمل طويل، دونه الكثير من الحروب العلمية التي سيشنها فلول هذا التيار لا تختلف عن حروب فلول الأسد في الساحة السياسية والعسكرية، حتى يأذن الله بشفائهم وبردّهم إلى طريق الصواب والجماعة.
وأخيرا: إن العودة إلى الكتب العلمية التي أسهمت في بناء التراث الإسلامي العريق عبر العصور والإمعان في مطالعتها يساعد الأكاديميين في التخلّص من آثار هذا التيار عليهم، وذلك أمثال كتب الجويني والغزالي وابن دقيق العيد والعز بن عبد السلام والشاطبي والذهبي وابن كثير وابن حجر وابن تيمية وابن القيم والنووي والسبكي وعلماء بني قدامة وأمثالهم من العلماء المحققين. ورحم الله الإمام أبا حامد الغزالي حينما قال: (وأما اتباع ‌العقل ‌الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقاً وقواهم على اتباعه… ولست أقول هذا طبع العوام بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم؛ فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد).اهـ [الاقتصاد: 93].