الأعياد اليهودية: أدوات تهويدٍ وتعزيز السيطرة على القدس
تناولنا في المقال الأول من سلسلة (المسجد الأقصى: أطماع واعتداءات) مخططات الاحتلال تجاه المسجد الأقصى، وخاصة مخططات التقسيم الزماني والمكاني، وفي المقال الثاني أوردنا تطور مخطط فرض الطقوس اليهوديّة العلنية في الأقصى، وخاصة تلك المتعلقة بـ”المعبد” المزعوم، وفي المقال الثالث بسطنا الحديث عن أهداف الاحتلال من اقتحام المسجد، وتطور أعداد مقتحمي الأقصى في السنوات الماضية، وأبرز المشاركين فيها، أما في هذا المقال فنسلط الضوء على الأعياد اليهوديّة وتحولها إلى مواسم لتصعيد العدوان على القدس والأقصى، وأهداف الاحتلال الكامنة خلفها، مع إيراد أبرز هذه الأعياد، وما يرافقها من عدوانٍ على المسجد المبارك.
أعياد الاحتلال أدوات تهويدٍ وسيطرة
أتاح العدد الكبير للأعياد اليهوديّة أن تسخرها سلطات الاحتلال وأذرعه المختلفة، لفرض المزيد من التحكم والسيطرة بالقدس المحتلة، وإقحام مظاهر يهوديّة دخيلة على هوية المدينة العربيّة والإسلاميّة، إضافةً إلى مخططات تثبيت الوجود اليهودي داخل الأقصى، وتحقق الأعياد اليهوديّة أربعة مظاهر أساسية، وهي:
- تحويل المدينة المحتلة إلى مساحة جغرافية تعجّ بالمستوطنين، إذ تحشد المنظمات المتطرفة المستوطنين من مختلف المستوطنات المحيطة بالقدس المحتلة؛ لترسيخ التغوُّل الاستيطاني العددي، ولو تم بشكلٍ مؤقت بالتزامن مع هذه الأعياد، وأشارت مصادر مقدسية إلى أن الاحتلال يحوّل الأعياد اليهودية إلى مواسم لـ “الحجّ اليهودي”.
- استهداف هوية القدس وما يتصل بمظهرها العام خلال هذه الأعياد، وخاصة تلك المرتبطة بمظاهر احتفاليّة أو دينيّة، على غرار عيد “العُرش” أو عيد “الحانوكاه”، ففي الأخير على سبيل المثال يقوم المستوطنون بإضاءة الشمعدانات في مواقع عديدة بعضها قريب من الأقصى، وتعمل أذرع الاحتلال التهويديّة وخاصة بلديته في القدس على إضفاء طابع يهوديّ على المدينة بذريعة الاحتفال بالعيد، على غرار تنظيم العروض الضوئية وإضاءة سور القدس التاريخي؛ وما يرافق هذه الفعاليات من حفلاتٍ صاخبة.
- التدخُّل المباشر في الأقصى، وفرض المزيد من التحكم على أبوابه، في سياق تحويل الأعياد اليهوديّة إلى أبرز أدوات السيطرة على الأقصى، والسماح للمستوطنين بالبقاء فيه أطول مدة ممكنة.
- فرض “التأسيس المعنوي للمعبد”، وهو ما يجري بالتزامن مع تصعيد هؤلاء أداء الصلوات والطقوس اليهودية التي تتعلق بـ “المعبد”، وتحويل الاقتحامات في الأعياد اليهودية إلى محاكاة للرواية التوراتية لما كان يجري بزعمهم في “المعبد” من طقوس وحركات وأفعال وتراتيل وصولًا إلى القرابين.
أبرز الأعياد اليهودية وانعكاساتها على الأقصى
رسخت أذرع الاحتلال الأعياد اليهودية مواسم لتصعيد الاعتداء على المسجد الأقصى ومكوناته البشرية، ورفع أعداد المشاركين في اقتحامات المسجد، وما يرافق هذه الاقتحامات من أداء للطقوس اليهوديّة العلنية، وفرض القيود المختلفة أمام أبواب المسجد، وتصعيد الاعتداء على المنطقة الشرقية في الأقصى عامةً، وعلى مصلى باب الرحمة بشكلٍ خاص، وفي النقاط الآتية نتناول أبرز الأعياد اليهوديّة، وما تشهده من اعتداءات بحق المسجد الأقصى:
- رأس السنة العبرية: بالعبريّة “روش هشَّاناه”، يُحتفَل به لمدة يومين في أوَّل شهر تشري بالتقويم العبري (يتزامن مع أيلول/ سبتمبر- تشرين الأول/أكتوبر بالتقويم الميلادي). يشهد الأقصى في هذا العيد محاولاتٍ للنفخ ببوق “الشوفار” داخل المسجد وفي محيطه، ويعني هذا الطقس بأنه إعلانٌ لهيمنة المستوطنين وسيادتهم على المسجد، في سياق تحقيق السيادة اليهودية وتحويل الأقصى إلى مكان يستوعب عبادة المستوطنين ووجودهم.
- عيد “الغفران”: بالعبريّة يوم “كيبور”، ويبدأ الاحتفال بهذا العيد قبل غروب شمس اليوم التاسع من تشري ويستمر إلى ما بعد غروب اليوم التالي. وعلى غرار الاعتداءات في رأس السنة العبريّة، يشهد المسجد الأقصى في عيد “الغفران” محاولات النفخ ببوق “الشوفار”، واقتحام الأقصى بالثياب البيضاء، إضافةً إلى محاكاة تقديم القرابين في الأقصى.
- عيد العُرُش (المظال/سوكوت): هو ثالث أعياد الحج عند اليهود، إلى جانب عيدي “الفصح والأسابيع”، ويبدأ في الخامس عشر من شهر “تشري” (تشرين الأول/أكتوبر)، ومدته سبعة أيام. يُعدّ واحدًا من أبرز مواسم الاعتداء على الأقصى، فإلى جانب إشراك أكبر عددٍ من المستوطنين في اقتحامات المسجد، يشهد الأقصى تصاعدًا في أداء الطقوس التلموديّة العلنية في ساحاته، وخاصة أداء “السجود الملحمي” الكامل بشكلٍ جماعي، ومحاولات المستوطنين إدخال القرابين النباتية إلى داخل المسجد.
- عيد الأنوار (الحانوكاه): يستمر هذا العيد ثمانية أيام، من 25 من شهر “كسلو” (الذي يقابل شهر كانون الأول/ديسمبر) إلى 3 من شهر “تيفت”، وتتضمن الرواية اليهودية تفاصيل كثيرة مرتبطة بالشمعدان. ونتيجة ارتباط العيد بإنارة الشمعدان، يشهد الأقصى بالتزامن مع هذا العيد محاولات إدخاله إلى المسجد، وإضاءته داخله، ومع عدم قدرة المستوطنين على ذلك، يستعيضون عنه بإشعال الولاعات أو الشموع بالتزامن مع اقتحاماتهم للمسجد، إضافةً إلى نصب شمعدانٍ ضخم في ساحة حائط البراق المحتلّ. ويشهد الأقصى جملة من الاعتداءات، المتصلة بأداء الطقوس اليهوديّة العلنية في ساحات الأقصى الشرقية، وأداء الرقصات الليليّة أمام أبواب الأقصى.
- عيد البوريم (المساخر): يُحتفَل به في الرابع عشر من آدار (آذار/مارس)، مدته يوم واحد فقط، ويحتفل اليهود بهذا العيد بأن يسرفوا في الشراب حتى الثمالة، ويرتدون خلاله الملابس التنكرية، ومع أن العيد لا علاقة له مباشرة بـ”المعبد” إلا أن المستوطنون يحرصون على أداء الرقصات الاستفزازية أمام أبواب الأقصى في هذا العيد، واقتحام المسجد مرتدين “أزياء كهنة المعبد” البيضاء.
- عيد الفصح اليهودي (البيساح): تكمن أهميته بأنه أول أعياد الحج اليهوديّة، وهو العيد الذي يحتفل فيه اليهود بذكرى نجاة “شعب يسرائيل من العبودية في مصر ورحيلهم عنها”. يحتفل به اليهود ما بين 15 و21 نيسان/إبريل بالتقويم العبري. وتُعد طقوس الاحتفال بالعيد كثيرة ومعقدة، وتستمر الاحتفالات فيه سبعة أيام متتالية. وبحسب المصادر العبرية يُعد ذبح “القربان” واحدًا من أبرز طقوس هذا العيد. وفي السنوات الماضية حاولت “منظمات المعبد” إدخال القرابين الحيوانيّة إلى الأقصى، إضافةً إلى أداء الطقوس العلنية في ساحاته بشكلٍ جماعي، واقتحام المسجد بثياب التوبة البيضاء.
- عيد الأسابيع (الشفوعوت): وهو واحدٌ من أهم الأعياد اليهوديّة، ويأتي هذا العيد بعد سبعة أسابيع من عيد الفصح ومن هنا جاءت تسميته، ومدة هذا العيد يومان، هما السادس والسابع من شهر “سيفان” بالتقويم العبري، وتربط المنظمات المتطرفة هذا العيد بالأقصى بشكلٍ كبير، إذ تستخدمه أذرع الاحتلال لتنظيم اقتحامات حاشدة وأداء الطقوس اليهوديّة العلنية داخل المسجد، وخاصة “السجود الملحمي” الكامل، إلى جانب محاولة تقديم “القرابين النباتية” داخل الأقصى، ومن العادات التي يحرص عليها المستوطنون قبل اقتحامهم الأقصى في هذا اليوم هي شرب الخمر عند باب المغاربة.
- ذكرى “خراب المعبد”: هو يوم صوم وحداد عند اليهود في ذكرى سقوط القدس، وهدم الهيكلين الأول والثاني بحسب المزاعم اليهوديّة، فقد هُدما في التاريخ ذاته تقريبًا، تقع في التاسع من “آف” في التقويم العبري، ويُقرَأ كتاب المراثي في الكنس، ويزور اليهود المدافن في ذلك اليوم، ويصلون من أجل عودة جماعة يسرائيل إلى فلسطين. ورسخت منظمات الاحتلال متطرفة هذا العيد واحدًا من أبرز مواسم الاعتداء على الأقصى، إذ تخصصه لتسجيل أعلى رقمٍ للمقتحمين في يومٍ واحد، ومشاركة عشرات المستوطنين وهم يرتدون ثياب التوبة البيضاء، وما يتصل بهذه الاقتحامات من أداءٍ للطقوس اليهودية العلنية، ورفع علم الاحتلال داخل المسجد.
أخيرًا، وإلى جانب الأعياد الدينيّة اليهوديّة، توظف أذرع الاحتلال مناسباتها الوطنية لرفع حجم الاعتداء على الأقصى، وأبرز هذه المناسبات ذكرى قيام دولة الاحتلال، الذي يأتي في الخامس من شهر أيار بالتقويم العبري، وذكرى احتلال الشطر الشرقي لمدينة القدس المسمى عبريًا “يوم توحيد القدس”، الذي يأتي في 28 أيار بالتقويم العبري، وتشهد المناسبتان اقتحاماتٍ حاشدة للأقصى، يُشارك فيها شخصيات رسمية في “الكنيست” أو في حكومة الاحتلال، إضافةً إلى تنظيم “مسيرة الأعلام” الاستيطانية في “يوم توحيد القدس”، والتي يُشارك فيها آلاف المستوطنين، وتجوب شطري القدس المحتلة.