أصدرت المديرية العامة للحماية المدنية وعمليات المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية تقريراً عن واقع الأوضاع الإنسانية في سوريا عام 2026م، تناولت فيه آثار الأزمة الإنسانية الممتدة في سوريا، والاحتياجات الإنسانية الراهنة، وأعداد النازحين واللاجئين والعائدين، إلى جانب حجم المساعدات الأوروبية المقدمة للسوريين منذ عام 2011، وأبرز مجالات التدخل الإنساني والاستجابة للطوارئ.
وبحسب التقرير، لا تزال سوريا تواجه تحديات إنسانية واسعة بعد أكثر من عشرة أعوام من الحرب التي خلّفت معاناة هائلة في صفوف المدنيين، وأدت إلى نزوح السكان، وانهيار الخدمات الأساسية، ودمار واسع في البنية التحتية. ويقدّر التقرير أن 15.6 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026.
ويشير التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه يواصلون تقديم الدعم الإنساني منذ بداية الأزمة الإنسانية، باعتبارهم من أبرز الجهات المانحة، مع التركيز على مساعدة الفئات الأشد ضعفاً في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا.
أولاً: الاحتياجات الإنسانية بالأرقام
وفقاً للبيانات الواردة في التقرير، يحتاج 15.6 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية في سوريا خلال عام 2026، فيما لا يزال نحو 5.5 مليون شخص نازحين داخلياً، من بينهم 1.2 مليون شخص يعيشون في المخيمات والتجمعات الشبيهة بالمخيمات.
وفي المقابل، شهدت البلاد عودة أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين؛ إذ عاد أكثر من 1.6 مليون سوري من دول أخرى، عاد معظمهم من تركيا ولبنان والأردن، كما عاد أكثر من 1.9 مليون نازح داخلياً إلى مناطقهم الأصلية، وذلك وفق بيانات أبريل/نيسان 2026.
أما في دول المنطقة، فيتجاوز عدد اللاجئين السوريين المسجلين 3.6 مليون شخص، يتوزعون على النحو الآتي، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مايو/أيار 2026:
- أكثر من 2.30 مليون لاجئ في تركيا.
- أكثر من 490 ألف لاجئ في لبنان.
- أكثر من 388 ألف لاجئ في الأردن.
وتكشف بقية المؤشرات عن اتساع نطاق الاحتياجات الأساسية؛ إذ لا يستطيع نحو نصف السكان الحصول على كميات كافية من مياه الشرب الآمنة، ويعاني أكثر من 13.3 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي، فيما لا يزال نحو 2.7 مليون طفل خارج المدارس، ويحتاج 14.7 مليون شخص إلى خدمات الحماية.
وفيما يتعلق بالتمويل، خصص الاتحاد الأوروبي 210 ملايين يورو للمساعدات الإنسانية داخل سوريا خلال عام 2026، بينما تجاوز إجمالي المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه للاستجابة للأزمة الإنسانية السورية 41 مليار يورو منذ عام 2011.
ثانياً: أبرز التحديات والاحتياجات
يتناول التقرير التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي شهدتها سوريا عقب إسقاط نظام الأسد في أواخر عام 2024، لكنه يؤكد أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال عند مستويات قياسية، مع اعتماد 15.6 مليون شخص على المساعدات. مع الإشارة إلى أن التقرير لم يوضح بالتفصيل طبيعة الأسس التي استند إليها في تقدير عدد المستفيدين منها، وهو ما يستدعي مزيداً من التوضيح بشأن مدى انطباق هذا التقدير على الواقع السوري الراهن.
وعلى الرغم من التحركات السكانية الكبيرة التي شهدها عام 2025، لا يزال نحو 1.2 مليون نازح داخلياً يقيمون في المخيمات والتجمعات المشابهة لها. كما يواجه كثير من العائدين إلى مناطقهم الأصلية صعوبات كبيرة بسبب الدمار الواسع الذي أصاب المساكن والبنية التحتية والخدمات العامة.
وبحسب تقرير المفوضية فإن 14.7 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات في مجال الحماية، في ظل تعرضهم لمخاطر متعددة، تشمل مخلفات الحرب غير المنفجرة، وفقدان الوثائق الثبوتية المدنية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والزواج المبكر والقسري، وعمالة الأطفال.
كما أسهمت الأزمة الاقتصادية الممتدة، ونقص السيولة النقدية، والظروف الشبيهة بالجفاف، في تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتراجع سبل العيش، ليصل عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي إلى 13.3 مليون شخص.
ولم يقتصر تأثير الأزمة على الأوضاع المعيشية، بل امتد إلى القطاع الزراعي؛ إذ تضرر الإنتاج بشدة نتيجة تلوث الأراضي الزراعية بمخلفات الحرب المتفجرة، فضلاً عن محدودية الوصول إلى مستلزمات الإنتاج الزراعي.
تراجع الخدمات الصحية والمياه والتعليم
يصف التقرير وضع الخدمات الصحية بأنه حرج، موضحاً أن نحو 57% فقط من المستشفيات و30% من مراكز الرعاية الصحية الأولية لا تزال تعمل.
كما يظل الوصول إلى عدد من الخدمات الصحية محدوداً للغاية، ولا سيما خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، والصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وفي قطاع المياه والصرف الصحي، أدى الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، وتسرب المياه، وقلة الأمطار، إلى حرمان نحو نصف السكان من إمكانية الحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية.
أما في قطاع التعليم، فلا يزال نحو 2.7 مليون طفل خارج المدارس، بسبب اكتظاظ الفصول الدراسية، وتضرر المنشآت التعليمية، أو استخدام المدارس مراكزَ إيواء جماعية. ويشير التقرير إلى أن الأضرار التي لحقت بالمنشآت التعليمية حرمت ما بين 2.5 و3 ملايين طفل من التعليم، ولذلك يوجَّه جزء من دعم الاتحاد الأوروبي وشركائه الإنسانيين إلى المساعدات التعليمية.
ثالثاً: حجم المساعدات الأوروبية وآليات تقديمها
يؤكد التقرير أن الاتحاد الأوروبي واصل منذ عام 2011 تقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين في مختلف أنحاء سوريا دون تمييز، وأن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه يشكلون أكبر جهة مانحة أثناء الحرب في سوريا.
وقد تجاوز إجمالي ما حشدوه 41 مليار يورو منذ عام 2011، في صورة مساعدات إنسانية وإنمائية واقتصادية ومساعدات لتحقيق الاستقرار، دعماً للسوريين داخل سوريا وفي مختلف أنحاء المنطقة.
ومن هذا الإجمالي، تجاوزت المساعدات الإنسانية وحدها 4.4 مليارات يورو، قُدمت للسوريين والمجتمعات المضيفة الأكثر ضعفاً داخل سوريا وفي دول المنطقة، فيما خُصص أكثر من 2.17 مليار يورو للمساعدات الإنسانية داخل سوريا وحدها. ولا يشير التقرير إلى تفاصيل صرف هذه المليارات وما سلم منها للدول المضيفة.
وفي إطار التحرك السياسي والإنساني، ينظم الاتحاد الأوروبي منذ عام 2017 مؤتمراً سنوياً في بروكسل تحت عنوان «دعم مستقبل سوريا والمنطقة»، بهدف إتاحة المجال أمام الأصوات السورية، وإبقاء القضية السورية حاضرة على جدول الأعمال السياسي الدولي، وتشجيع التعهدات المالية لدعم الاستجابة الإنسانية.
وبعد المرحلة الانتقالية في ديسمبر/كانون الأول 2024، كثّف الاتحاد الأوروبي انخراطه على المستوى الرفيع، من خلال التواصل المباشر مع السلطات السورية، كما نظم أول «يوم للحوار» في دمشق في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
رابعاً: الاستجابة الأوروبية للتطورات الطارئة
يسلط التقرير الضوء على عدد من محطات الاستجابة الإنسانية الأوروبية للأحداث الطارئة التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية.
الاستجابة لأحداث أواخر عام 2024
بحسب المفوضية؛ شهدت الاحتياجات الإنسانية ارتفاعاً حاداً في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عقب هجوم واسع النطاق في شمال غرب سوريا – يقصدون به معركة ردع العدوان – انتهى بإسقاط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
ووفق التقرير، نزح نحو مليون شخص من المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية مباشرة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الخدمات الصحية وحدوث نقص حاد في الأدوية الأساسية ومستلزمات علاج الإصابات.
وفي مواجهة هذه الاحتياجات، جرى تفعيل قدرات الاستجابة الطارئة التابعة للاتحاد الأوروبي (ReliefEU)، لتعبئة المخزونات الأوروبية من قسم الإمدادات التابع لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في كوبنهاغن، إلى جانب توفير وسائل النقل لدعم منظمة الصحة العالمية في إيصال المساعدات الصحية الأساسية.
حرائق الغابات في الساحل السوري
وفي يوليو/تموز 2025، اندلعت سلسلة من حرائق الغابات في محافظتي اللاذقية وطرطوس شمال غرب سوريا، وأدت إلى تدمير نحو 1500 هكتار من الأراضي، وتأثر ما يقدر بنحو 8500 شخص، ونزوح أكثر من 1100 شخص.
وفي 11 يوليو/تموز، قدمت ألمانيا معدات لمكافحة الحرائق، شملت آلية إطفاء مخصصة للطرق الوعرة، وذلك عبر آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي.
أحداث السويداء والمساعدات الطارئة
وفي الفترة نفسها، أدى تصاعد الأعمال القتالية في السويداء جنوب سوريا إلى نزوح أكثر من 190 ألف شخص، وحدوث اضطراب شديد في تقديم الخدمات الأساسية.
وخصص الاتحاد الأوروبي تمويلاً طارئاً بقيمة 1.6 مليون يورو لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحاً في مجالات النظافة والصحة والحماية والمستلزمات الطارئة.
أما خلال عام 2026، فقد خصصت المفوضية الأوروبية 210 ملايين يورو للتمويل الإنساني، بهدف مواصلة الاستجابة الطارئة المنقذة للحياة وتوفير الحماية في مختلف أنحاء البلاد.
خامساً: مجالات الدعم الإنساني وشركاء الاتحاد الأوروبي
تتركز المساعدات الإنسانية الأوروبية في سوريا على تلبية الاحتياجات الحيوية المنقذة للحياة، إلى جانب تهيئة الطريق نحو التعافي المبكر، من خلال تحسين إمكانية حصول السكان المحرومين على الخدمات الأساسية.
وتُقدَّم هذه المساعدات عبر الشركاء الإنسانيين للاتحاد الأوروبي، الذين يعملون على دعم الفئات الأكثر ضعفاً في ثمانية مجالات رئيسية:
- الرعاية الصحية.
- المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية.
- الحماية.
- المأوى والتجمعات السكنية.
- التعليم في حالات الطوارئ.
- المساعدات الغذائية.
- التحويلات النقدية.
- المساعدات التغذوية.
ويذكر التقرير أن الاتحاد الأوروبي يتعاون بصورة وثيقة مع شركائه الإنسانيين في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية، ووكالات الأمم المتحدة، والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
ويلتزم هؤلاء الشركاء بالمبادئ الإنسانية الأربعة: الإنسانية، والحياد، وعدم التحيز، والاستقلالية.
كما يؤكد الاتحاد الأوروبي ضرورة الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني، ويدعو إلى حماية المدنيين والمنشآت المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين بصورة آمنة ومستدامة ودون عوائق.
ولا تقتصر المساعدات الأوروبية على الداخل السوري، بل تشمل أيضاً دول المنطقة التي تستضيف ملايين اللاجئين السوريين، وهي تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر.
خلاصة التقرير
تعكس البيانات التي أوردتها المفوضية الأوروبية استمرار حجم الاحتياجات الإنسانية في سوريا، رغم التحركات الواسعة للسكان وعودة أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين. فملايين السوريين لا يزالون بحاجة إلى المساعدات، في ظل تضرر البنية التحتية، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، واتساع انعدام الأمن الغذائي، وصعوبة الحصول على المياه والخدمات الأساسية.
وفي المقابل، يبرز التقرير حجم الاستجابة الأوروبية للأزمة الإنسانية التي حدثت منذ عام 2011م إثر مواجهة نظام الأسد الاحتجاجات الشعبية بالحل الأمني والقمع، وذلك سواء من خلال التمويل الإنساني والإنمائي، أو عبر دعم القطاعات الحيوية والاستجابة للطوارئ، والتعاون مع المنظمات والوكالات الإنسانية العاملة داخل سوريا وفي دول المنطقة.
المصدر: المديرية العامة للحماية المدنية وعمليات المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (DG ECHO)، تقرير سوريا المنشور على الموقع الرسمي للمفوضية الأوروبية.
للاطلاع على التقرير بصورته الأصلية أنقر هنا